الأطول والأشد في تاريخ قياس الطقس.. كتلة هوائية أفريقية حارقة تقود النمسا نحو حاجز 40 درجة
النمسا ميديـا – فيينا:
تشهد النمسا حالياً موجة حر هي الأطول والأشد كثافة في هذا الوقت المبكر من العام على الإطلاق، وهو حدث وصفه خبراء الأرصاد بأنه غير معتاد حتى في ذروة فصل الصيف. ووفقاً لبيانات هيئة الأرصاد الجوية “GeoSphere Austria” ومكتب أرصاد التلفزيون النمساوي الرسمي، فقد سجلت أجزاء واسعة من البلاد درجات حرارة تجاوزت 30 درجة مئوية منذ نهاية الأسبوع الماضي، وتتجه الموجة نحو ذروتها خلال عطلة نهاية الأسبوع لتصل إلى قيم قياسية تقترب من 40 درجة مئوية، وسط تحذيرات أطلقت في العاصمة فيينا ترفع حالة التأهب إلى الدرجة القصوى لمواجهة الحرارة المرتفعة.
أرقام قياسية تتهاوى في عواصم الولايات
تتوقع الأرصاد الجوية أن تتخطى درجات الحرارة حاجز 35 درجة مئوية في معظم أنحاء البلاد يومي السبت والأحد، مع احتمالية ملامسة 40 درجة مئوية في بعض المناطق. وتعد هذه الموجة أطول سلسلة متتالية من الأيام شديدة الحرارة (التي تسجل 30 درجة أو أكثر) تبدأ في شهر يونيو. وقد حطمت مدينة Linz بالفعل رقمها القياسي السابق المسجل عام 2021 بستة أيام متتالية، ومن المتوقع أن تشهد عواصم الولايات الأخرى مثل Wiener City وEisenstadt وSalzburg وInnsbruck وBregenz كسر أرقامها القياسية التاريخية بحلول نهاية الأسبوع.
الاستثناءات ومقارنة بالماضي التاريخي
تشير التوقعات إلى أن مدينة Graz ستعادل سلسلتها القياسية القياسية البالغة 12 يوماً والمجلية في يونيو 2025 يوم الاثنين المقبل على أن تتجاوزها يوم الثلاثاء، في حين قد تخفق Klagenfurt بفارق ضئيل في الوصول إلى رقمها القياسي السابق البالغ 15 يوماً متتالياً. وتغيب مدينة St. Pölten عن هذه القائمة الإحصائية بعد أن انكسرت فيها سلسلة الأيام الحارة يوم الثلاثاء الماضي نتيجة تسجيل درجة حرارة هبطت دون حاجز 30 درجة مئوية بفارق ضئيل. وتكتسب هذه الأرقام دلالة كبرى بالنظر إلى عراقة محطات القياس، حيث تعود سجلات Wien-Hohe Warte إلى عام 1872، وInnsbruck-Universität إلى عام 1877، وGraz-Universität إلى عام 1894.
شدة استثنائية وجدول درجات الحرارة التاريخية لشهر يونيو
إلى جانب المدة الزمنية، تمتاز الموجة الحالية بشدة استثنائية؛ إذ يُتوقع أن تسجل 120 محطة رصد من أصل 280 محطة تابعة لهيئة “GeoSphere Austria” درجات حرارة قياسية جديدة لشهر يونيو، بل إن 60 محطة منها قد تحطم الأرقام القياسية المطلقة للعام بأكمله. ويبلغ الرقم القياسي الحالي لشهر يونيو على مستوى النمسا 38,6 درجة مئوية، ورُصد في Waidhofen an der Ybbs في Niederösterreich في 20 يونيو 2013، بينما يظل الرقم القياسي المطلق لجميع الأشهر هو 40,5 درجة مئوية، وسُجل في Bad Deutsch-Altenburg في 8 أغسطس 2013.
وفيما يلي جدول يوضح أعلى درجات الحرارة المسجلة في شهر يونيو تاريخياً حسب الولايات النمساوية:
| محطة الرصد الجوي | درجة الحرارة مئوية | التاريخ |
| Waidhofen an der Ybbs | 38,6 | 20.06.2013 |
| Innsbruck Universität | 38,5 | 30.06.2019 |
| Feistritz ob Bleiburg | 38,3 | 26.06.2025 |
| Wien Innere Stadt | 37,7 | 30.06.2012 |
| Neusiedl am See | 37,4 | 30.06.2012 |
| St. Johann im Pongau | 37,4 | 30.06.2019 |
| Mooslandl | 37,3 | 30.06.2019 |
| Windischgarsten | 37 | 30.06.2019 |
| Feldkirch | 36,5 | 19.06.2022 |
مركز الكتلة الحارة يتحرك شرقاً
تتسم هذه الموجة بامتدادها الواسع لتغطي أجزاء شاسعة من القارة الأوروبية؛ فقد سجلت مئات محطات القياس في إسبانيا، وفرنسا، وإنجلترا، ودول بنيلوكس (بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ) أرقاماً قياسية جديدة، حيث تجاوزت الحرارة في بعض مناطق إسبانيا وفرنسا حاجز 40 درجة، ووصلت في نقاط معينة إلى قرابة 45 درجة مئوية. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، سينتقل مركز الثقل الحار نحو الشرق ليشمل النمسا، وشمال إيطاليا، وسلوفينيا، والمجر، وسلوفاكيا، وجمهورية التشيك، وبولندا، وألمانيا، وجنوب الدول الإسكندنافية. وتتوقع هيئة الأرصاد الجوية تراجع الموجة تدريجياً بدءاً من الغرب الأسبوع المقبل، حيث تنخفض الحرارة في Vorarlberg يوم الاثنين دون 30 درجة، تليها المناطق الشرقية والجنوبية بحلول يوم الخميس، لتعود الأجواء إلى معدلات الصيف الاعتيادية التي تبلغ نحو 25 درجة مئوية في مطلع يوليو.
الأسباب العلمية وبصمة التغير المناخي
تفسر الأرصاد الجوية هذه الحالة بظاهرة تسمى علمياً “Blocking” (الكتلة الهوائية العازلة)، حيث يتمركز منخفض جوي قوي فوق أجزاء واسعة من أوروبا ويمنع تدفق المنخفضات القادمة من المحيط الأطلسي. وما يجعل الوضع الحالي استثنائياً هو أن الهواء المتدفق من شمال أفريقيا نحو أوروبا أكثر سخونة من المعتاد، إلى جانب تأثر القارة المسبق بموجة حر أولى رفعت درجات الحرارة عن معدلاتها الطبيعية. وأكد Marc Olefs، رئيس قسم أبحاث آثار المناخ في هيئة “GeoSphere Austria”، أن التغير المناخي يعزز التقلبات السنوية الطبيعية للطقس مما يؤدي إلى بلوغ درجات حرارة متطرفة بشكل مستمر.
وأظهرت دراسة إسناد أولية أجراها المشروع الفرنسي “Climameter” أن الاحتباس الحراري الناجم عن الأنشطة البشرية قد تسبب في زيادة حدة موجة الحر الحالية بمقدار درجتين إلى أربع درجات مئوية، مشيرة إلى أن حدوث موجة بهذه الشدة لم يكن ممكناً في العقود الماضية قبل ارتفاع تركيز غازات الاحتباس الحراري.
وأضاف الخبير أن موجات الحر أصبحت منذ ستينيات القرن الماضي أكثر تكراراً بنسبة 50% في عواصم الولايات النمساوية وباتت تستمر لفترات أطول تتراوح بين يومين إلى سبعة أيام، مؤكداً أن هذه الموجات لم تعد مجرد حالات شاذة عابرة بل ظاهرة مستمرة ستزداد حدة وتكراراً بحلول عام 2100 بمعدل درجتين إلى ثلاث درجات إضافية في النمسا حتى في حال الالتزام بجهود حماية المناخ العالمية.